ناعمة حسن الطنيجي.. ربع قرن من العمل الإنساني في فهم الإنسان وتمكين الأسرة والمرأة
ناعمة حسن الطنيجي الشهيرة بناعمة الهاشمي.. ربع قرن من العمل الإنساني في فهم الإنسان وتمكين الأسرة والمرأة
في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية، وتزداد فيه تعقيدات العلاقات الإنسانية والأسرية، برزت تجارب نسائية اختارت أن تجعل من المعرفة والخبرة الميدانية جسراً نحو التغيير. ومن بين هذه التجارب تأتي مسيرة ناعمة حسن الطنيجي، المستشارة والباحثة الإماراتية التي تمتد خبرتها لأكثر من 25 عاماً في مجالات البحث الاجتماعي، والاستشارات الأسرية، وعلم النفس التطبيقي، والتدريب والإعلام والتوعية المجتمعية.
لم تكن مسيرتها المهنية محصورة في مجال واحد، بل تشكلت عبر محطات متعددة جمعت بين العمل الميداني، والبحث الاجتماعي، والاستشارات، والتدريب، والإعلام، والكتابة، وصولاً إلى الريادة الرقمية. وهو تنوع منح تجربتها خصوصية واضحة؛ إذ لم تتعامل مع المشكلات الإنسانية باعتبارها حالات منفصلة، وإنما سعت إلى فهم الإنسان داخل بيئته وتاريخه وظروفه الاجتماعية والنفسية.
من الميدان إلى قراءة السلوك الإنساني
بدأت ناعمة حسن الطنيجي مسيرتها في مجال البحث الاجتماعي والعمل الميداني والتحقيقات المجتمعية في القيادة العامة لشرطة رأس الخيمة. وكانت هذه المرحلة بمثابة مدرسة عملية مبكرة في فهم السلوك البشري، والاقتراب من القضايا الإنسانية من مصادرها الواقعية.
ومن خلال التعامل المباشر مع الحالات والملفات الاجتماعية، اكتسبت خبرة في الإنصات والتحليل والتقصي، وهي مهارات أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من منهجيتها في الاستشارات الأسرية والتوجيه.
وتؤمن الطنيجي بأن فهم الإنسان لا يمكن أن يتحقق من خلال النظر إلى المشكلة في لحظتها الراهنة فقط، بل يحتاج إلى قراءة السياق الذي نشأت فيه، والعوامل النفسية والاجتماعية المحيطة بها، والتجارب السابقة التي أسهمت في تشكيل شخصية الفرد وطريقة تعامله مع الأزمات.
ومن هنا تبلورت فلسفتها المهنية التي يمكن اختصارها في عبارة: «فهم الإنسان يسبق محاولة تغيير حياته».
«مملكة بلقيس».. عندما انتقلت الاستشارة إلى الفضاء الرقمي
من أبرز المحطات في تجربتها تأسيس مركز وموقع مملكة بلقيس للاستشارات والتأهيل الأسري، الذي بدأ كمشروع متخصص في المجال الأسري، ثم تطور ليأخذ بعداً رقمياً واسعاً.
ومع بدايات انتشار الإنترنت عربياً، أدركت الطنيجي مبكراً إمكانية توظيف المنصات الإلكترونية للوصول إلى النساء والأسر خارج حدود المكان الجغرافي. فكانت المنتديات والموقع امتداداً للعمل الاستشاري والتوعوي، وفضاءً للتفاعل وطرح الأسئلة ومناقشة القضايا الأسرية والاجتماعية.
وبحسب السيرة المهنية المقدمة عنها، تحولت المنصة إلى واحدة من التجارب العربية المبكرة في مجال الاستشارات الأسرية الرقمية، واستقطبت ملايين الزيارات والتفاعلات من مختلف أنحاء الوطن العربي.
ولم يكن هذا الحضور الرقمي مجرد انتقال تقني من الواقع إلى الإنترنت، بل مثّل تحولاً في طريقة تقديم المعرفة الأسرية والنفسية، من خلال الجمع بين الخبرة الميدانية والمحتوى التوعوي والتفاعل المباشر مع الجمهور.
المرأة في قلب مشروعها المعرفي
احتلت قضايا المرأة مساحة واسعة من تجربة ناعمة حسن الطنيجي، ليس من منطلق تقديم حلول جاهزة، وإنما من خلال التركيز على المعرفة والوعي والاستقلال النفسي والعاطفي.
ففي برامجها ودوراتها التدريبية، تناولت موضوعات العلاقات الإنسانية، والحياة الزوجية، وإدارة الأزمات، والمرونة النفسية، وتطوير الذات، بهدف مساعدة المرأة على فهم ذاتها وعلاقاتها بصورة أكثر وعياً واتزاناً.
وعلى مدار سنوات، قدمت عشرات البرامج والدورات التدريبية، من بينها برامج مثل «سبعة أسرار سحرية» و**«الحب للأبد»**، واستفادت من هذه البرامج أعداد كبيرة من المتدربات في دول مجلس التعاون الخليجي.
وتكمن أهمية تجربتها التدريبية في محاولتها الربط بين المفاهيم النفسية وبين الحياة اليومية؛ فلا تبقى المعلومة في إطارها الأكاديمي المجرد، بل تتحول إلى أدوات واستراتيجيات يمكن للمرأة استخدامها في التعامل مع تحدياتها الشخصية والأسرية.
تجربة خليجية واسعة في التدريب
امتد نشاطها التدريبي إلى عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، بينها الإمارات والسعودية والكويت وقطر والبحرين، حيث قدمت محاضرات وورش عمل وبرامج تدريبية للنساء.
وقد اتسمت هذه التجربة بالجمع بين التدريب الجماهيري والورش التفاعلية، مع التركيز على القضايا التي تمس حياة المرأة والأسرة بصورة مباشرة.
كما عملت على بناء نموذج يجمع بين التدريب الحضوري والمتابعة الرقمية، بحيث لا تنتهي العلاقة التعليمية بانتهاء المحاضرة، وإنما يمكن أن تستمر من خلال المحتوى الإلكتروني والاستشارات والتفاعل عبر المنصات الرقمية.
وهذا النموذج يعكس جانباً مهماً من رؤيتها: أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى استمرارية، وأن المعرفة تصبح أكثر تأثيراً عندما تتحول إلى ممارسة وسلوك.
الإعلام.. تبسيط المعرفة النفسية والاجتماعية
إلى جانب الاستشارات والتدريب، شكل الإعلام والكتابة جزءاً مهماً من مسيرتها.
فقد عملت في إعداد التحقيقات والتقارير الاجتماعية، وإنتاج وتقديم البرامج ذات الطابع الاجتماعي والتوعوي، كما كتبت مئات المقالات والقصص التي تناولت قضايا الأسرة والعلاقات الإنسانية والمرأة.
وكانت الكتابة بالنسبة إليها وسيلة للوصول إلى جمهور أوسع، خصوصاً أن كثيراً من المفاهيم النفسية والاجتماعية قد تبدو معقدة أو أكاديمية بالنسبة إلى القارئ العادي.
لذلك اتجهت إلى تقديمها بلغة قريبة من الناس، مستخدمة القصة والحوار والمواقف اليومية لتفسير السلوك الإنساني وإعادة النظر في بعض المفاهيم الشائعة حول الحب والزواج والأسرة والاستقلال العاطفي.
«أم بسمة».. القصة كأداة للتوعية
ومن التجارب اللافتة في مشروعها الأدبي والتوعوي قصة «أم بسمة» التي ارتبطت بمرحلة مهمة من حضورها الرقمي والإعلامي.
اعتمدت الطنيجي في هذا النوع من الكتابة على السرد باعتباره وسيلة قادرة على الوصول إلى القارئ بصورة مختلفة عن المقال التقليدي. فبدلاً من تقديم النصيحة بشكل مباشر، تضع القارئ أمام شخصية وتجربة وصراع إنساني، وتترك له مساحة للتأمل وإعادة اكتشاف ذاته وعلاقاته.
كما ارتبط مشروعها الأدبي بسلسلة «برود ومطر» وغيرها من الأعمال السردية التي هدفت إلى تقديم محتوى توعوي من خلال الأدب والقصة.
وهنا تتجلى إحدى سمات تجربتها: قدرتها على الانتقال بين لغة البحث والتحليل، ولغة الاستشارة، ولغة الإعلام، ولغة الأدب، مع بقاء الهدف واحداً؛ وهو مساعدة الإنسان على فهم نفسه والآخرين بصورة أكثر عمقاً.
آلاف الاستشارات.. الخبرة التي صنعتها الحالات الإنسانية
على مدار سنوات عملها، قدمت ناعمة حسن الطنيجي آلاف الاستشارات الفردية والجلسات التوجيهية، وتعاملت مع مشكلات زوجية وأسرية وإنسانية متعددة المستويات.
هذه الخبرة الطويلة جعلت من العمل مع الحالات الإنسانية جزءاً محورياً من مشروعها المهني.
فالاستشارة بالنسبة إليها ليست إصدار حكم على أحد أطراف المشكلة، وإنما محاولة لفهم أسبابها ومساراتها، والبحث عن نقاط يمكن من خلالها استعادة التوازن.
ومن أبرز ما تؤكد عليه تجربتها المهنية أهمية الإنصات، والابتعاد عن الأحكام المسبقة، وفهم الظروف النفسية والاجتماعية التي يعيشها الفرد قبل اقتراح أي تغيير في حياته.
أخلاقيات المهنة والخصوصية
وفي المجالات المرتبطة بالاستشارات الأسرية والنفسية، تمثل السرية واحترام خصوصية الأفراد أساساً لا غنى عنه.
وتضع الطنيجي الالتزام بأخلاقيات المهنة وحماية معلومات الحالات ضمن سمات تجربتها المهنية، إلى جانب التأكيد على الأمان الإنساني واحترام خصوصية الأشخاص الذين يلجأون إلى الاستشارة.
كما تعتمد في تعاملها مع الحالات على الإنصات الفعال ومحاولة فهم المشكلة ضمن سياقها الكامل، بدلاً من اختزالها في موقف واحد أو خلاف عابر.
أكثر من 25 عاماً.. مشروع يتجاوز المهنة
إذا كانت السنوات الطويلة من الخبرة تمنح الإنسان معرفة تراكمية، فإن تجربة ناعمة حسن الطنيجي تبدو مختلفة في جانب آخر؛ فقد حولت هذه الخبرة إلى مشروع متكامل يجمع بين البحث والاستشارة والتدريب والإعلام والكتابة والريادة الرقمية.
وخلال أكثر من ربع قرن، انتقلت من العمل الميداني والبحث الاجتماعي إلى تأسيس منصة رقمية متخصصة، ومن التعامل مع الحالات الفردية إلى تدريب عشرات الآلاف، ومن الكتابة الصحفية إلى إنتاج القصص والروايات التوعوية.
وهذا التنوع يعكس رؤية مهنية تقوم على أن قضايا الأسرة والمرأة لا يمكن التعامل معها من زاوية واحدة، لأن الإنسان نفسه كيان متعدد الأبعاد؛ تتداخل في حياته النفسية والاجتماعية والثقافية والعاطفية عوامل كثيرة.
امرأة جعلت من المعرفة وسيلة للتغيير
يمكن النظر إلى تجربة ناعمة حسن الطنيجي باعتبارها نموذجاً لمسيرة إماراتية اختارت أن تجعل من المعرفة والخبرة الميدانية وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع.
فهي لم تكتفِ بممارسة الاستشارة، وإنما سعت إلى نشر الثقافة المرتبطة بها. ولم تكتفِ بالتدريب، بل عملت على بناء محتوى يستمر بعد انتهاء التدريب. ولم تكتفِ بالإعلام، بل وظفت القصة والأدب للوصول إلى وجدان القارئ.
وفي جوهر تجربتها تبرز فكرة بسيطة لكنها عميقة: لا يمكن تغيير حياة الإنسان قبل فهمه.
وربما لهذا السبب ظل الإنسان محور مشروعها طوال أكثر من 25 عاماً؛ من ملفات البحث الاجتماعي والعمل الميداني، إلى غرف الاستشارات، وقاعات التدريب، وصفحات الصحافة، ومنتديات الإنترنت، وصولاً إلى المحتوى الرقمي الذي يخاطب المرأة والأسرة العربية.
إنها مسيرة تؤكد أن التأثير الحقيقي لا يقاس فقط بعدد السنوات أو البرامج أو المتابعين، بل بقدرة المعرفة على الوصول إلى الإنسان في اللحظة التي يحتاج فيها إلى من يفهمه، ويمنحه مساحة للتفكير، وأداة تساعده على استعادة توازنه، وخطوة أولى نحو حياة أكثر وعياً واستقراراً.
تعليقات
إرسال تعليق