قصة «أم بسمة» للأستشارية ناعمة : الرواية ألتي أذهلت النساء

هناك قصص تُقرأ ثم تُنسى، وقصص تبقى في الذاكرة لأنها تلامس شيئًا عميقًا في حياة الناس. وهناك قصص تتجاوز حدود الحكاية نفسها، فتتحول مع الوقت إلى جزء من الوعي الجمعي، وإلى مرآة ترى فيها أجيال كاملة شيئًا من حياتها وتجاربها ومخاوفها.

«أم بسمة» واحدة من هذه القصص.

ظهرت القصة في فضاء المنتديات العربية في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، في زمن كانت فيه المنتديات النسائية واحدة من أهم المساحات التي تلجأ إليها النساء للحديث عن الزواج والأسرة والعلاقات. وسرعان ما خرجت قصة أم بسمة من حدود المكان الذي ظهرت فيه، وانتقلت بين المواقع والمنتديات، وتناقلتها القارئات على نطاق واسع، حتى أصبحت من أكثر القصص المرتبطة باسم الأستاذة ناعمة الهاشمي تداولًا في ذلك الوقت.

لكن انتشار «أم بسمة» لم يكن قائمًا على الإثارة وحدها.

فالقصة لم تقدم الخيانة الزوجية باعتبارها حادثة منفصلة تنتهي عند اكتشاف الزوجة للحقيقة، وإنما أخذت القارئة إلى ما هو أعمق: كيف يمكن للمرأة أن تفقد أجزاء من ذاتها وهي تظن أنها تبني زواجًا ناجحًا؟ وكيف تتحول التضحية، حين تتجاوز حدودها، من تعبير عن الحب إلى طريق لفقدان الذات؟

وهنا تكمن قوة الحكاية.

أم بسمة ليست امرأة بدأت حياتها ضعيفة؛ بل امرأة كانت لها شخصيتها وحياتها وطموحاتها، ثم دخلت الزواج وهي تحمل تصورًا شديد الإخلاص عن معنى الزوجة الصالحة. أعطت، وساعدت، وصبرت، ووقفت إلى جانب زوجها في مراحل حياته الصعبة، وتنازلت عن أشياء كثيرة وهي تعتقد أن الحب يُبنى بهذا الشكل.

ثم وجدت نفسها بعد سنوات أمام حياة لم تعد تعرف فيها المرأة التي كانتها.

ومن هذه النقطة تبدأ رحلة الرواية الحقيقية.

تدخل أم بسمة إلى مكتب ناعمة وهي تحمل مشكلة تبدو في ظاهرها زوجية، لكن الجلسات تكشف تدريجيًا أن القضية أوسع بكثير من علاقة امرأة بزوجها. إنها قضية علاقتها بنفسها، وبصورتها عن الزواج، وبالقناعات التي حملتها سنوات طويلة، وبالطريقة التي فهمت بها الحب والوفاء والتضحية.

ولهذا فإن حضور ناعمة في الرواية ليس حضور مستشارة تقدم وصفة جاهزة لاستعادة الزوج، وإنما حضور امرأة تقود أم بسمة إلى مواجهة نفسها أولًا. تسألها، تحلل معها، تصدمها أحيانًا، وتتركها أحيانًا أخرى أمام أسئلة لم تكن قد طرحتها على نفسها من قبل.

ومع تقدم الأحداث، تتحول «أم بسمة» من قصة زوجية إلى رحلة نفسية كاملة؛ رحلة تمر بالحب والتعلق والحرمان العاطفي، ثم الصدمة والغضب والخيانة، وصولًا إلى محاولة استعادة التوازن والقدرة على الاختيار.

وهذا ما جعل القصة مختلفة عن كثير من القصص الزوجية التي كانت متداولة آنذاك.

لم تكن أم بسمة تبحث فقط عن إجابة لسؤال: كيف أستعيد زوجي؟

كانت تبحث، دون أن تعرف في البداية، عن إجابة أعمق:

كيف أستعيد نفسي؟

ومع كل مرحلة من مراحل الحكاية، كان القارئ يكتشف أن ما يبدو مشكلة صغيرة في الحياة الزوجية قد يكون نتيجة سنوات من القرارات والتنازلات والقناعات التي تراكمت بصمت.

ولعل هذا هو أحد أسباب بقاء «أم بسمة» في ذاكرة قارئاتها حتى بعد مرور سنوات طويلة على ظهورها. فقد تعاملت القصة مع الزواج باعتباره علاقة إنسانية معقدة، لا مجرد مجموعة من الواجبات الزوجية، ووضعت أمام المرأة أسئلة عن شخصيتها وحضورها وحدود عطائها، وأمام الرجل أسئلة عن قيمة المرأة التي يعتاد وجودها إلى جواره، وعن أثر اختياراته على العلاقة التي يعيش داخلها.

ولم تكن شهرة القصة منفصلة عن طريقة سردها. فقد جاءت في صورة حكاية متتابعة، تحمل مفاجآت وتحولات، وتنتقل من جلسة إلى أخرى، بحيث لا يشعر القارئ أنه يقرأ درسًا أو محاضرة، بل يعيش التجربة مع أم بسمة خطوة بخطوة. وتشير المواد المتداولة قديمًا إلى أن القارئات لم يتعاملن معها كنص تعليمي فحسب، بل تفاعلن مع شخصياتها وأحداثها وانفعالاتها بقوة شديدة.

ولهذا يمكن النظر إلى «أم بسمة» اليوم بوصفها أكثر من قصة زوجية ناجحة الانتشار.

إنها وثيقة من وثائق مرحلة مهمة في تاريخ الخطاب الأسري العربي على الإنترنت؛ مرحلة كانت المرأة فيها تبحث عن إجابات لمشكلاتها الزوجية في المنتديات والقصص والتجارب الشخصية، وكانت الحكاية نفسها وسيلة للتعلم واكتشاف الذات.

وقد بقيت «أم بسمة» حاضرة في الذاكرة الرقمية العربية حتى بعد انتقال ذلك الجمهور من المنتديات إلى منصات التواصل الحديثة، واستمر تداول القصة ومناقشة أفكارها وإعادة نشر أجزاء منها على مواقع مختلفة.

لكن القيمة الأهم للقصة لا تكمن في عدد مرات تداولها، ولا في عدد النساء اللواتي قرأنها.

قيمتها في أنها جعلت قصة امرأة واحدة مساحة لتجربة آلاف النساء أنفسهن.

كانت أم بسمة واحدة، لكن أسئلتها لم تكن واحدة.

كانت هناك نساء كثيرات يعرفن معنى أن تدخل المرأة الزواج وهي تظن أن الحب يعني العطاء بلا حدود، وأن الوفاء يعني الصبر بلا نهاية، وأن الحفاظ على البيت قد يتطلب منها أن تؤجل نفسها إلى أجل لا يأتي.

ولهذا لم تكن «أم بسمة» مجرد حكاية عن زوجة وخيانة.

كانت حكاية عن المرأة العربية حين تبدأ في اكتشاف نفسها داخل الزواج، وعن المسافة التي يمكن أن تنشأ بين المرأة التي كانتها والمرأة التي أصبحت عليها، وعن اللحظة التي تضطر فيها إلى إعادة النظر في كل ما ظنت أنها تعرفه عن الحب والتضحية والحياة الزوجية.

وربما لهذا تحديدًا بقي اسم «أم بسمة» حاضرًا بعد كل هذه السنوات.

فبعض القصص تنتهي عندما تنتهي صفحاتها.

أما القصص التي تغيّر شيئًا في القارئ، فإنها تستمر بعد الصفحة الأخيرة.

تعليقات